من منا لم يعايش ذلك التذبذب بين التصديق و الإنكار، من منا لم يطرح في لحظة من لحظات خلوته أسئلة وجودية، من منا لم يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة ليجد نفسه يدور في دوامة عقله المتناهية، و يصل إل حدود ضبابية أو لربما، يعود إلى نقطة البداية و سرعان ما يتلاشى فضوله ذاك في تملك الأجوبة، بالسرعة ذاتها التي بدأ بها أو في الغالب أسرع !
رحلتي من الشك إلى الإيمان، أسئلة وجودية و غائية كبرى
ذلك حالنا، أما حال المفكرين فأمر آخر ! فقد يطول أمر ذلك التذبذب - و الذي يسمى اصطلاحا "الشك " - إلى ما يقرب الثلاثين حولا، شأن ذلك الطبيب و المفكر المصري مصطفى محمود; فقد غاص لمدة ثلاث أجيال في مختلف الثقافات، الشرقية منها و الغربية، وسلك رحلة البحث عن الحقيقة و راح ينشدها عنها من منظور العلم، و الفلسفة، و الصوفية ... ليتقبل في الأخير أن حقيقة المسائل الجدلية و الأسئلة الوجودية، كالوجود و اللاوجود، العدم و اللاعدم، الخالق و المخلوق، الظلم و العدل، التوازن و اختلاله إلى آخره من الأسئلة المتعلقة بمطلق بدايات و نهايات الأشياء و مغزى الوجود، - التي يستدعي التوغل فيها علما واسعا بأصول اللسانيات و مقارعة الحجج -، لا توجد فقط في فرع من فروع العلوم، ولا هي حكر على أصول المنطق، و لا الروحانيات الصوفية هي الملم الوحيد بها، إنما الحقيقة موجودة في كل جانب من جوانب الحياة، سواء كانت علما موضوعيا، منطقيا أو لاهوتا. فالحقيقة في مجمل حديث مصطفى محمود ،هي الإيمان المنشود و هي الغاية الأسمى من خلق الإنسان، من أجل ذلك وضع الله عز وجل من الوسائل لاستكشافه، كالعلم و البصيرة و الفطرة و البداهة و الإلهام و الوحي.
رحلتي من الشك إلى الأيمان، الكتاب المقسم إلى 8 فصول، يؤطر في مجمله أسئلة غائية و وجودية كبرى : الله، الجسد، الروح، العدل الأزلي ، لماذا العذاب، ماذا قالت لي الخلوة، التوازن العظيم و المسيخ الدجال .
و بالحديث عن الفصل الأخير من الكتاب ، قد يقول البعض أن اعتبار مصطفى محمود المسيخ الدجال هو فتنة المادة هو ضرب صريح في أحاديث السنة. من وجهة نظري الخاصة، لم يرد في الفصل ما يدل عن كون المسيح الدجال كناية عن الفتنة القوة المادية، و إنما ورد ذكر الماديات و طغيانها على جوانب حياة تشبيها بالمسيخ الدجال و شتان ما بين الأمرين.
يعد هذا الكتاب من أجمل ما قرأت إلى الآن، و إن ترك لدي الانطباع بأن نفس الحجة قد استعملت مرارا للإجابة عن أسئلة متباينة الجوهر. غياب أو ندرة الحجاج الطبي و البيولوجي للاستدلال على الخلق و على غيره من المواضيع الواردة في الكتاب خيب ظني نوعا ما، لأنه نوع البرهان الذي أستسيغه كثيرا و الذي توقعت وفرة وجوده نظرا لكون مصطفى محمود طبيبا و باحثا أكاديميا قبل أن يكون مفكرا و كاتبا.
مخطئ من ظن أن قراءة واحدة لهذا الكتاب كافية و كفيلة للإلمام بجميع جوانبه، كتاب صغير الحجم، عظيم المحتوى، .يستحق أن يقرأ كلما سنحت الفرصة بذلك





مراجعة من قلب مُحِب فعلاً للكتاب ♥️ ووافية 😍👍🏻، وانا من محبين كتابات الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وتأملاته فعندما اقرأ له يجعلني أتفكر في كلماته ♥️، وهذا الكتاب وغيريه من كتبه تستحق القراءة لأكثر من مرة ♥️ ، الله يعطيكِ العافية على المراجعة الأكثر من رائعة 🌹..
RépondreSupprimer