ما أكثر ما قيل عن الحب، و ما أوفر الأعمال الأدبية و السينمائية التي تحاول تجسيد هذا الشعور. صورة نمطية تناقلتها الحضارات و أورثتها أجيال لأجيال أتت من بعدها، تطورات طفيفة فقط تلاحَظ على سبيل التجديد، لكن القالب واحد و الأصل مشترك : نظرة أولى في ريعان شباب المرء فتعلق، لفحة حب فلوعة عشق و فراق، ثم تلوح بوادر النهايات بعضها سعيد و الآخر أقل سعادة حسب "الأقدار" التي يخطها الكتاب ...
الحب في زمن الكوليرا ، صورة نمطية ... غير نمطية !
في زمن الحروب الأهلية و الأوبئة في منطقة الكارايبي في أواخر القرن التاسع عشر، يقع عامل التلغراف الشاب الفقير فلورينثو أريثا في حب التلميذة الحسناء فيرمينا داثا، علاقة تنمو حتى بعد معارضة أهل الفتاة و تنتصر عليها لتتوقف فجأة و بدون سابق إنذار كما بدأت ...
ينفصل العاشقان و يمضي كل منهما في حياته، تتزوج فيرمينا من الطبيب المشهور ذو المكانة المرموقة في المجتمع جوفينال أوربينو لتعيش حياة طويلة معه تتعاقب فيها السنون بين السراء و الضراء، أما فلورينثو ، فما كان ما يبقيه على قيد الحياة، هي مرارة الحب التي ما فتئ يحملها في فؤاده، و رغبته في الاجتماع بحبيبته و لو في عمر السبعين ... !
يحملنا الكاتب في رحلة اكتشاف الطباع، نعيش أقصى تفاصيل الشخصيات حتى يصبح من الصعب الانفصال عنها، ينتقل بنا في الزمن ليحكي لنا عن تطور الأفكار، الأخلاق و الأنفس، و يرصد لنا أحوال المجتمع اللاتيني في تلك الحقبة من الزمن، لتأتي نهاية مختلفة و غير متوقعة نوعا ما لتزيد من حيرة القارئ ...
بالرغم من أنني لست من قراء روايات الحب، إلا أن هناك سببان مباشران دفعا بي إلى الغوص في أعماق هذه الرواية و هما العنوان و اسم الكاتب : لقد خيب السبب الأول ظني كثيرا لأنني توقعت رواية تفصل جيدا في واحد من أكثر الأوبئة فتكا بالبشرية عبر التاريخ : "الكوليرا"، لكن كل ما نلته كان بعض المقاطع الصغيرة التي لا تؤثر كثيرا (أو أبدا) في سيرورة القصة ;و أما السبب الثاني فقد كان بمثابة المفاجأة لي ، لأنني شهدت عبقرية كاتب و نبوغه يتجليان في عمل أدبي غاية في الإتقان ، غابريال غارسيا ماركيز ، - الكاتب الكولومبي الحائز عل جائزة نوبل في الآداب و أعماله التي تعد من روائع الأدب العالمي - ، يستحق فعلا شهرته و اللغط المثار حوله، فقد استطاع بأسلوبه الفذ، إحياء هذه الشخصيات في قلوب قرائها.
مؤاخذتي على الرواية الوحيدة هي وجود بعض مقاطع "الإيروتيكا" التي آذت أريحيتي في القراءة، خلاف ذلك، فقد كانت قراءة فعلا ممتعة، و رحلة جميلة إلى منطقة الكرايبي في الماضي.




Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire